الحكيم الترمذي

168

غور الأمور

والشكر فعل الأحرار ، والصبر فعل العبيد ، وإنما هي عبودية ثم حرية ، ألا ترى : أن إدريس عمل في الشكر بعدما رضى عنه وحرره ، ورسولنا عليه الصلاة والسلام عمل فيه بعد ما حرره ، وغفر له الذنوب ما تقدم منها وما تأخر . فابتدأ رسولنا عليه الصلاة والسلام الصبر ، ثم بالشكر وكذلك بكل ممتحن لنا بالأقل ثم بالأشد ، والامتحان بالصبر أشر منه بالشكر . ألا ترى إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : ( لأنا بفتنة السر أخوف عليكم من فتنة الضر ) « 1 » أو قول عبد الرحمن : إبتلينا بفتنة الضر فصبرنا وإبتلينا بفتنة السر فلم نصير . فكل ممتحن خرج مستقيما من النقم فهو أرفع درجة من الذي خرج من الشدة ، وهو قول عيسى عليه السلام ( فلا عبيد أتقياء ولا أحرار كرماء ) . وتأويله أن العباد على ضربين : عبد ولدته أمه حرا كريما ، حرا من الشهوات كريما طبعه من لين التركيب وصفاء الخلق ، وطهارة الروح وحرية الطينة ، ألا ترى أن الطين الحر كيف ينفاد للعمل لهذه الكريان « 2 » والجرار ، وكيف يتمدد ، فمن خلق من ذلك الجنس وطبعه لينا كريما حرا ، وعبد ولدته أمه كزا لئيما « 3 » ذا شهوات ، وذاك لصلابة طينته وقوتها وحدتها وكزازتها . فأخلاقه كدرة ، وروحه كدودة في استعماله في الجسد بهذه الأخلاق ، فإذا

--> ( 1 ) لم أستدل على هذا الحديث بلفظه هذا في كتب الصحاح . ( 2 ) لم نجد لها مرادفا في القواميس العربية . ( 3 ) كز الشئ كزاكة : يبس وانقبض من البرد ، وفلان كزازة : قل خيره ومساعدته فهو كزّ ، ورجل كز اليدين بخيل .